مقالات عامة

الصعود إلى السحابة في 2026: لماذا تحقق 10% فقط من التحولات السحابية قيمتها الكاملة؟ تحديات رحلة التبنّي المؤسسي ودروسها للجهات السعودية

وفق ماكنزي، 10% فقط من التحولات السحابية تحقق قيمتها الكاملة، رغم أن 71% من المؤسسات تدير مركز تميّز سحابي وفق Flexera 2026. نستعرض لماذا تتعثر رحلة الصعود إلى السحابة تنظيميًا قبل أن تتعثر تقنيًا، ومراحلها الواقعية، وتحدياتها في الجهات السعودية، ودروسًا عملية لتجاوزها.

صورة الكاتب محمد الشريف
محمد الشريف
تاريخ النشر
٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
وقت القراءة
4 دقيقة
الصعود إلى السحابة في 2026: لماذا تحقق 10% فقط من التحولات السحابية قيمتها الكاملة؟ تحديات رحلة التبنّي المؤسسي ودروسها...

الصعود إلى السحابة قرار تنظيمي قبل أن يكون تقنيًا

حين تقرّر جهة ما «الانتقال إلى السحابة» يتّجه النقاش غالبًا إلى الأسئلة التقنية: أي مزوّد؟ أي منطقة؟ كم خادمًا سننقل؟ لكن التجربة المتراكمة عالميًا تقول إن أغلب الرحلات لا تتعثر عند هذه الأسئلة. ففي مقال نشرته ماكنزي في يونيو 2025 قدّرت الشركة أن 10% فقط من التحولات السحابية تحقق قيمتها الكاملة، وأرجعت جزءًا كبيرًا من المشكلة إلى أن المؤسسات تنقل نماذج عملها القديمة كما هي: الشلال في التخطيط، والتذاكر في التشغيل، والفصل بين «من يبني» و«من يشغّل». والنتيجة بحسب التقرير قيمة محدودة، بل قد تتحوّل إلى «هدر للقيمة» حين تبقى العمليات يدوية فوق بنية صُمّمت للأتمتة.

في المقابل، تشير تقديرات ماكنزي نفسها إلى أن المؤسسات التي تعيد تصميم نموذج التشغيل أثناء الانتقال يمكنها رفع الكفاءة التشغيلية بنسبة 20–25%، وتقليص زمن الدورة بنسبة تصل إلى 60–70%. الفارق إذن ليس في الخوادم المنقولة، بل في طريقة إدارة الجهة لنفسها بعد الانتقال.

لهذا نفصل في هذا المقال بين «الصعود إلى السحابة» بوصفه رحلة تبنٍّ مؤسسية تشمل الحوكمة والمهارات والمشتريات والثقافة، وبين «الترحيل» بوصفه عملية تقنية لنقل البيانات والتطبيقات، وهو موضوع نخصّص له مقالًا مستقلًا لاحقًا.

ماذا تقول أرقام 2026؟ خمسة تحديات تتكرر في كل رحلة تبنٍّ

يرسم تقرير Flexera 2026 State of the Cloud، المبني على استطلاع أكثر من 750 من صنّاع القرار السحابي، صورة واضحة: 85% من المؤسسات تعدّ إدارة الإنفاق السحابي تحديًا رئيسيًا، ونسبة الإنفاق المهدور ارتفعت إلى 29% لأول مرة منذ خمس سنوات بفعل أحمال الذكاء الاصطناعي. ويشغّل 73% من المؤسسات بيئات هجينة، بينما يأتي التوسّع في السحب المتعددة غالبًا نتيجة الاستحواذات وتكاثر تطبيقات SaaS والفرق اللامركزية لا نتيجة استراتيجية مقصودة. أما الجانب الإيجابي فهو أن 71% من المؤسسات صارت تدير مركز تميّز سحابيًا (CCoE)، و63% تملك فرق FinOps متخصصة.

وعلى المستوى السعودي، أعدّ البنك الدولي بطلب من هيئة الحكومة الرقمية تقرير «The Cloud Imperative» (ديسمبر 2024) لتوثيق تجربة المملكة، وأبرز ضمن التحديات المقبلة: سدّ فجوة المهارات الرقمية، والتعامل مع متطلبات توطين البيانات، وكفاءة الطاقة في مراكز البيانات. كما رصدت دراسة منشورة في European Scientific Journal (2025) عن تبنّي السحابة في القطاع العام السعودي أربعة عوائق رئيسية: مخاوف حوكمة البيانات، ومتطلبات الأمن السيبراني، وفجوات الجاهزية التنظيمية، ونماذج المشتريات الجامدة.

بجمع هذه المصادر تتكرّر خمسة تحديات في أغلب الرحلات: (1) ملكية غير واضحة لقرار السحابة بين تقنية المعلومات والأمن والمالية، (2) فجوة مهارات في الهندسة السحابية والأمن وFinOps، (3) مشتريات وميزانيات مصمّمة للإنفاق الرأسمالي لا للدفع حسب الاستخدام، (4) امتثال يبدأ متأخرًا بدل أن يُبنى من اليوم الأول وفق ضوابط NCA CCC ونظام حماية البيانات الشخصية، (5) قياس النجاح بعدد الأنظمة المنقولة بدل القيمة المتحققة.

مراحل الرحلة الواقعية: من الرؤية إلى التوسّع

تتفق أطر التبنّي الكبرى على أن الرحلة ليست قفزة واحدة. فإطار AWS لتبنّي السحابة (CAF) يقسّمها إلى أربع مراحل: التصوّر (Envision) لربط السحابة بأهداف العمل، والمواءمة (Align) لتحديد الفجوات في القدرات والحوكمة، والإطلاق (Launch) لتجارب إنتاجية محدودة، والتوسّع (Scale). ويتبع إطار مايكروسوفت (Cloud Adoption Framework) منطقًا مشابهًا يبدأ بالاستراتيجية والتخطيط وتجهيز «منطقة الهبوط» قبل أي تبنٍّ واسع، مع مسارات موازية للحوكمة والأمن والإدارة.

أما عن الإيقاع الزمني الواقعي، فتقترح ماكنزي في حديثها عن تحويل نموذج التشغيل تسلسلًا مفيدًا: مرحلة اكتشاف وتصميم تستغرق نحو 6–8 أسابيع، ثم «مشاريع منارة» (Lighthouse) لنحو 10–12 أسبوعًا، ثم توسّع أولي على مدى 6–9 أشهر، وتوسّع مستدام بين 12 و18 شهرًا. الدرس هنا أن الجهة التي تعد قيادتها بـ«الانتقال الكامل خلال سنة» تضع نفسها أمام توقعات يصعب الوفاء بها.

وفي كل مرحلة يتغيّر السؤال الرئيسي: في البداية «لماذا نصعد وما القيمة المستهدفة؟»، ثم «من يملك القرار وما الضوابط؟»، ثم «هل نجحت التجربة الأولى فعلًا؟»، وأخيرًا «كيف نكرّر النجاح دون أن ينفلت الإنفاق أو الامتثال؟».

دروس عملية للجهات السعودية قبل أن تبدأ الصعود

ابدأ بمركز تميّز سحابي له صلاحيات حقيقية. لا يكفي أن يكون الـCCoE لجنة استشارية؛ يجب أن يملك صلاحية إقرار منطقة الهبوط والمعايير والسياسات، وأن يضم ممثلين عن الأمن السيبراني والمالية والمشتريات لا عن تقنية المعلومات وحدها. هذا ما يحلّ تحدي «الملكية غير الواضحة» مبكرًا.

صنّف بياناتك قبل أن تختار مزوّدك. سياسة «السحابة أولًا» تجعل السحابة الخيار الافتراضي للجهات الحكومية، لكن نوع السحابة المسموح (عامة، أو سيادية، أو حكومية مثل «ديم») يتحدد بتصنيف البيانات ومتطلبات NCA CCC وPDPL. الجهة التي تبدأ بالتصنيف توفّر أشهرًا من إعادة العمل لاحقًا.

أصلح المشتريات والميزانية قبل التقنية. الدفع حسب الاستخدام يصطدم بميزانيات سنوية ثابتة وعقود رأسمالية. اتفاقيات إطارية مرنة، وميزانية تشغيلية بسقوف واضحة، وممارسات FinOps من اليوم الأول (وسوم إلزامية، وتنبيهات إنفاق، وتقارير لكل وحدة أعمال) تقلّل خطر الهدر الذي يرصده تقرير Flexera.

استثمر في الناس عبر «المدرّب الذي يدرّب». تقترح ماكنزي اختيار «أبطال» من كل فريق يتعلمون المهارات الجديدة ثم يدرّبون زملاءهم، إلى جانب معسكرات تدريب عملية. هذا أسرع وأرخص من انتظار توظيف خبرات نادرة في سوق تتنافس عليها جهات كثيرة.

قِس القيمة لا عدد الأنظمة المنقولة. حدّد منذ البداية مؤشرات مثل زمن إطلاق الخدمة، وتوافرها، وكلفة المعاملة الواحدة، وراجعها كل ربع سنة. عندها يصبح الصعود إلى السحابة رحلة تحسين مستمر، لا مشروعًا يُغلق بإعلان «اكتمل الترحيل».

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً