الرقم الذي أشعل النقاش — وما الذي يقوله بالضبط
في يونيو 2026 نشرت Broadcom تقرير Private Cloud Outlook 2026، وفيه رقم انتشر سريعاً: 83% من المؤسسات تدرس نقل أحمال من السحابة العامة إلى الخاصة، و50% نقلت بعضها فعلاً.
وحول هذا الرقم مجموعة أرقام تشرح الدافع:
- للمرة الأولى، تجاوزت التكلفة الأمنَ كأول هاجس بشأن السحابة العامة، صعوداً من 26% في 2025 إلى 31% في 2026.
- 97% من قادة تقنية المعلومات يعتقدون أن جزءاً من إنفاقهم السحابي مهدور، و52% يقدّرون أن الهدر يتجاوز 25% من إجمالي ميزانيتهم السحابية.
- دوافع الإعادة الثلاثة الأولى: الأمن والامتثال 51%، ثم القدرة على التنبؤ بالتكلفة 39%، ثم الأداء 39%.
وصعود «القدرة على التنبؤ بالتكلفة» تحديداً هو أبرز تغيّر سنوي في التقرير. ولاحظ الفرق: الشكوى ليست أن السحابة العامة غالية، بل أن فاتورتها غير قابلة للتنبؤ. وهذان أمران مختلفان تماماً في ميزانية سنوية معتمدة.
إفصاح ضروري قبل أن تبني قراراً على هذه الأرقام
التقرير صادر عن Broadcom — الشركة المالكة لـVMware والبائعة لمنصة VMware Cloud Foundation، أي أحد أكبر المستفيدين تجارياً من موجة العودة إلى السحابة الخاصة. وهذا لا يُبطل الأرقام، لكنه يفرض قراءتها بعين ناقدة.
ومن الإنصاف ذكر منهجيته كاملة: استطلاع نفّذته Radius Tech بالشراكة مع Broadcom في فبراير ومارس 2026، شمل 1,800 من كبار صنّاع قرار تقنية المعلومات في مؤسسات يزيد موظفوها على 1,000، عبر ثماني دول في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا-المحيط الهادئ. المنهجية معلنة وحجم العينة معتبر — لكن الجهة الممولة طرف في السوق.
الرقم المضاد: لماذا تقول IDC إن 8–9% فقط؟
هنا تنقلب الصورة. فبحسب استطلاع IDC لأحمال الخوادم والتخزين، 8% إلى 9% فقط من المؤسسات تخطط لإعادة كاملة للأحمال. أما الغالبية العظمى فتمارس إعادة توزيع انتقائية بين البيئتين، لا انسحاباً.
وتدعم بيانات السوق هذا التحفّظ: تتوقع كل من IDC وجارتنر نمواً قوياً ومستمراً لإنفاق البنية التحتية السحابية العامة (IaaS) خلال السنوات الخمس القادمة — لا ركوداً ولا تراجعاً. بل إن طبقة IaaS، وهي المفترض أنها الأكثر تضرراً من «العودة»، تُظهر أقوى نمو.
وقد بلغ التشكيك حدّ أن جارتنر تعقد في مؤتمراتها لعام 2026 جلسة بعنوان صريح: «إعادة التوطين السحابي — الحقيقة والأسطورة».
كيف يستقيم الرقمان معاً؟
الرقمان ليسا متناقضين، بل يقيسان شيئين مختلفين:
| تقرير Broadcom | استطلاع IDC |
|---|---|
| «تدرس» النقل | «تخطط لإعادة كاملة» |
| على مستوى بعض الأحمال | على مستوى المؤسسة كلها |
| نية واهتمام | تنفيذ شامل |
الدراسة ليست تنفيذاً، والنقل الجزئي ليس انسحاباً. والخلاصة الصحيحة: الحركة حقيقية لكنها انتقائية وعلى مستوى الحمل الواحد، لا على مستوى المؤسسة. ومن يقرأ عنوان «83%» ويستنتج أن السوق يغادر السحابة العامة، يكون قد أخطأ في قراءة سوقه.
وتُلخّص جارتنر الوجهة الفعلية بتوقّع أوضح: 90% من المؤسسات ستتبنى بنية تحتية هجينة بحلول 2027. أي أن الاتجاه ليس «من العام إلى الخاص»، بل من «السحابة أولاً» إلى «القرار بحسب الحمل».
أين يحدث التحوّل فعلاً؟ في الاستدلال الإنتاجي
إن كان ثمة موضع واحد تتحرك فيه الأرقام بوضوح لا لبس فيه، فهو أحمال الذكاء الاصطناعي:
- 56% من المؤسسات تشغّل أو تخطط لتشغيل الاستدلال الإنتاجي (production inference) على سحابة خاصة.
- في المقابل هبطت حصة السحابة العامة لهذه الأحمال تحديداً من 56% إلى 41% خلال سنة واحدة — تراجع 15 نقطة مئوية، وهو من أحدّ التحولات في التقرير.
- 62% من قادة التقنية «قلقون جداً أو للغاية» بشأن تكاليف البنية التحتية لتشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي.
- وأكبر متطلبين جديدين يفرضهما الذكاء الاصطناعي على تقنية المعلومات: حماية البيانات والخصوصية (37%)، ثم الأمن والتحكّم (36%).
والسبب الاقتصادي مباشر ولا يحتاج تعاطفاً مع أي طرف: التجارب الأولية والتدريب أحمال متقطّعة ومتقلّبة — تحتاج قدرة هائلة لأسابيع ثم لا تحتاج شيئاً، وهذا بالضبط ما تتفوق فيه السحابة العامة. أما الاستدلال الإنتاجي فحمل ثابت ومستمر ومتوقَّع يعمل على مدار الساعة بنمط يمكن التنبؤ به. وحين يصبح الحمل ثابتاً، يتحوّل نموذج الاستئجار من ميزة إلى عبء، ويبدأ امتلاك العتاد في التفوّق حسابياً.
هذه هي النسخة الأمينة من قصة «العودة»: ليست انسحاباً من السحابة العامة، بل هجرة نوع محدّد من الأحمال إلى البيئة التي تناسب اقتصادياته.
السيادة تدخل غرفة الاجتماعات
التحوّل الثاني الموثّق في التقرير ليس اقتصادياً بل جيوسياسياً:
- أربعة من كل خمسة من قادة تقنية المعلومات يقولون إن الجيوسياسة صارت تؤثر مباشرة في استراتيجيتهم وعملياتهم.
- وللمرة الأولى، تجاوزت متطلبات سيادة البيانات وإقامتها (54%) الامتثالَ القضائي الخاص بولاية قضائية بعينها (51%) كأول عامل جيوسياسي يشكّل قرارات البنية التحتية.
والقطاعات الأكثر تأثراً هي الخدمات المالية والقطاع العام والرعاية الصحية وعلوم الحياة — أي القطاعات نفسها التي تخضع في المملكة لأشد الأطر التنظيمية.
وماذا يعني ذلك في السياق السعودي؟
تحفّظ منهجي أولاً: الاستطلاع شمل ثماني دول في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا-المحيط الهادئ، والسعودية ليست من بينها. فالإسقاط هنا استنتاج بالقياس لا قياس مباشر.
لكن الاتجاه الذي يرصده التقرير عالمياً هو ما تعيشه المؤسسات السعودية بشكل أكثر حدّة، لسبب بسيط: ما يزال سؤال السيادة في أوروبا نقاشاً استراتيجياً، بينما هو في المملكة التزام تنظيمي نافذ:
- نظام حماية البيانات الشخصية (PDPL) وإطاره التنفيذي لدى سدايا.
- ضوابط الأمن السيبراني للحوسبة السحابية (CCC) الصادرة عن الهيئة الوطنية للأمن السيبراني — والتي تشترط أن تكون إقامة البيانات مفروضة تقنياً لا تعاقدياً فحسب. وهذا فرق جوهري: لا يكفي بند في العقد يقول إن البيانات لن تغادر المملكة؛ يجب أن تكون البنية نفسها عاجزة عن إخراجها.
- إطار الحوسبة السحابية للبنك المركزي «ساما» بالنسبة للبنوك وشركات التقنية المالية.
وأمام المؤسسة السعودية اليوم ثلاث فئات من المزوّدين: مزوّدو السحابة العالميون بمناطق داخل المملكة، والسحابات التابعة لشركات الاتصالات المحلية، ومزوّدو السحابة السيادية المستقلون. والاختيار بينها لم يعد قراراً تقنياً بل قراراً قانونياً وتشغيلياً في آن.
خمسة أسئلة قبل أن تنقل حملاً واحداً
بدل اتّباع العناوين في أي من الاتجاهين، هذه أسئلة يجيب عنها الحمل نفسه:
١. هل الحمل ثابت أم متقلّب؟
الأحمال الثابتة المستمرة (قواعد البيانات الأساسية، الاستدلال الإنتاجي، الأنظمة الداخلية) تميل اقتصادياتها للسحابة الخاصة. أما الأحمال الموسمية والمتفجّرة فتبقى في العامة. وهذا السؤال وحده يحسم أغلب الحالات.
٢. كم يبلغ الهدر الفعلي في فاتورتك — لا المُقدَّر؟
52% يقدّرون أن هدرهم يتجاوز 25%. والتقدير ليس قياساً. قبل أن تبرّر مشروع نقل بحجة الهدر، قِس الهدر فعلياً (موارد خاملة، أحجام مفرطة، بيئات منسية، نقل بيانات). كثير منه يُعالَج بانضباط FinOps دون تحريك خادم واحد — وبكسر من كلفة الهجرة.
٣. هل تملك الكفاءات التشغيلية؟
السحابة الخاصة لا تُلغي التكلفة، بل تنقلها من فاتورة شهرية إلى رواتب وعقود صيانة ودورة تحديث عتاد. وهذه بنود لا تظهر في مقارنة الأسعار البسيطة، لكنها تظهر في الميزانية بعد ثمانية عشر شهراً.
٤. ما متطلب الإقامة القانوني بالضبط؟
ليس «هل نحتاج سيادة؟» بل: أي فئة بيانات، وأي مستوى تصنيف، ومفروض تقنياً أم تعاقدياً؟ الإجابة الدقيقة قد تعني أن 15% من بياناتك تحتاج بيئة سيادية، لا 100% منها — وهذا يغيّر حجم المشروع وكلفته جذرياً.
٥. ما تكلفة الخروج من الخيار الجديد؟
وهنا الدرس الأهم، ومصدره مفارقة لا ينبغي تفويتها: جزء كبير ممن يفكرون في العودة إلى السحابة الخاصة اليوم إنما دفعتهم إليها تغييرات ترخيص VMware بعد استحواذ Broadcom — أي أن قفلاً تجارياً في البيئة الخاصة هو ما أشعل النقاش أصلاً. فالقفل ليس صفة للسحابة العامة وحدها. اسأل عن تكلفة الخروج قبل الدخول، في كل اتجاه.
الخلاصة
اتجاه الإنفاق يؤكد أن الحركة حقيقية: نية الإنفاق على السحابة الخاصة تنمو بضعف معدل العامة — 21 نقطة مقابل 10 نقاط على أفق ثلاث سنوات، و58% من قادة التقنية يضعون بناء أحمال جديدة على السحابة الخاصة ضمن أولوياتهم القصوى، صعوداً من 53% قبل عام.
لكن الوجهة ليست «خاصة بدل عامة». الوجهة — كما تقرأها جارتنر — هجينة بحلول 2027 لدى 90% من المؤسسات. أي أن السؤال لم يعد «أين نضع بنيتنا؟» بل «أين نضع هذا الحمل بعينه؟» — وهو سؤال يُطرح من جديد مع كل حمل، لا مرة واحدة كل خمس سنوات.
من يجيب عن هذا السؤال بمنهج، يوفّر. ومن يجيب عنه باتّباع العناوين، ينتقل من قفلٍ إلى قفل.



