مقالات عامة

من المشروع إلى المنتج في 2026: لماذا تصطدم فرق الأجايل بالميزانية السنوية في الجهات السعودية؟ وكيف تموّل منصاتك السحابية كمنتجات دائمة؟

مع إعلان بيان ميزانية 2027 ونمو الإنفاق الحكومي على الحوسبة السحابية 42% في 2025، يبقى سؤال عملي: كيف تعمل فرق الأجايل بسبرنتات كل أسبوعين داخل ميزانية تُعتمد مرة في السنة؟ نستعرض جذور الاصطدام، ونماذج تمويل المنتج، وخطوات عملية للجهات السعودية.

صورة الكاتب محمد الشريف
محمد الشريف
تاريخ النشر
٣ أكتوبر ٢٠٢٦
وقت القراءة
5 دقيقة
من المشروع إلى المنتج في 2026: لماذا تصطدم فرق الأجايل بالميزانية السنوية في الجهات السعودية؟ وكيف تموّل منصاتك السحابية...

أين يقع الاصطدام؟ سبرنت كل أسبوعين وميزانية كل اثني عشر شهرًا

في 30 سبتمبر 2026 أعلنت وزارة المالية البيان التمهيدي لميزانية 2027 بنفقات تقديرية تبلغ نحو 1,392 مليار ريال وإيرادات بنحو 1,202 مليار ريال. هذا الإعلان يفتتح موسمًا تعرفه كل إدارة تقنية في القطاع العام والخاص: تقدير احتياج العام القادم، وتحويله إلى مشاريع بنطاق وتكلفة وجدول محدد، ثم الدفاع عنه أمام الإدارة المالية.

المشكلة أن فرق الأجايل لا تعمل بهذه الطريقة. الفريق يخطّط كل أسبوعين، ويعيد ترتيب الأولويات بناءً على ما يتعلّمه من المستخدمين، ويعتبر تغيّر النطاق أمرًا طبيعيًا لا انحرافًا. أما نموذج المشروع التقليدي فيطلب نطاقًا ثابتًا مقدمًا، ويقيس النجاح بالالتزام بالخطة لا بالقيمة المتحققة، ويحلّ الفريق عند «الإغلاق» حتى لو كان النظام سيعيش عشر سنوات.

والنتيجة مألوفة: فريق يمارس «السكرم» يوميًا لكنه يكتب تقارير حالة بصيغة شلال، ويحرص على صرف الاعتماد قبل نهاية السنة المالية، ويؤجّل التحسينات لأنها «خارج نطاق المشروع». تشير أبحاث Gartner إلى أن التمويل وصراع الثقافة بين «الأعمال» و«التقنية» من أبرز التحديات أمام التحول إلى نموذج المنتج، وهي الملاحظة نفسها التي تتكرر في تقارير Thoughtworks وPlanview: الأجايل ينجح على مستوى الفريق ويتعثّر على مستوى المحفظة والتمويل.

لماذا تجعل السحابة المشكلة أكثر وضوحًا؟

في عالم مراكز البيانات كان نموذج المشروع منطقيًا نسبيًا: تشتري خوادم وتراخيص (نفقات رأسمالية)، وتنفّذ مشروعًا، ثم تُسلّم النظام لفريق التشغيل. السحابة كسرت هذا التسلسل؛ فالإنفاق صار تشغيليًا شهريًا يتغير مع الاستخدام، والمنصة السحابية نفسها — حساب الهبوط (Landing Zone)، خطوط CI/CD، منصة المطوّر الداخلية، ضوابط الأمن — لا «تنتهي» أبدًا بل تتطور باستمرار.

وفي المملكة يتسارع هذا التحول بوضوح: وفق تقرير الإنفاق الحكومي على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات 2025 الصادر عن هيئة الحكومة الرقمية في يونيو 2026، بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي نحو 31.9 مليار ريال، ونما الإنفاق على الحوسبة السحابية 42% مقارنة بعام 2024، وعلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة 20%. كما تجاوزت أوامر الشراء عبر الاتفاقيات الإطارية الوطنية 5.16 مليار ريال استفادت منها أكثر من 500 جهة حكومية.

هذه الأرقام تعني أن جزءًا متزايدًا من الميزانية التقنية صار استهلاكًا سحابيًا مستمرًا لا مشروعًا ينتهي. ومعاملة منصة سحابية كمشروع بتاريخ إغلاق تنتج ثلاث مشكلات متكررة: منصات «يتيمة» بلا فريق مالك بعد التسليم، وفواتير سحابية بلا مسؤول واضح عن تحسينها، وإعادة بناء الفرق من الصفر مع كل اعتماد جديد فتضيع المعرفة المتراكمة.

نماذج تمويل المنتج: ماذا تفعل المؤسسات بدل تمويل المشاريع؟

الفكرة الجوهرية في نموذج المنتج بسيطة: موّل فرقًا مستقرة تملك قدرة أو خدمة على المدى الطويل، بدل تمويل قوائم مخرجات مؤقتة. ومن أكثر النماذج انتشارًا:

  • التمويل المستمر للفرق (Persistent Team Funding): تُعتمد تكلفة الفريق (الأفراد + الاستهلاك السحابي المتوقع) كخط ثابت سنويًا، ويُراجع ما يُنجزه الفريق دوريًا مقابل مؤشرات نتائج لا مقابل قائمة متطلبات.
  • ميزانيات مسارات القيمة (Value Stream Budgets): كما في إدارة المحافظ الرشيقة (Lean Portfolio Management) ضمن SAFe؛ تُخصّص الميزانية لمسار قيمة كامل (مثل «خدمات المستفيدين الرقمية») وتُعاد موازنتها كل ربع سنة ضمن حدود حوكمة واضحة. وقد أعادت Scaled Agile مع إطلاق AI-Native SAFe في يونيو 2026 تسمية «الموازنة التشاركية» إلى «تخطيط الاستثمار الاستراتيجي» مع تركيز أكبر على المساءلة المالية لقيادة المحفظة.
  • التمويل المرحلي بالرهانات (Metered Funding): تمويل أولي صغير لاختبار فرضية، ثم دفعات إضافية مشروطة بنتائج قابلة للقياس — وهو نموذج يتناسب طبيعيًا مع السحابة لأن تكلفة التجربة منخفضة ويمكن إيقافها فورًا.

وقد عادت Gartner إلى المسألة في بحث نشرته في مارس 2026 بعنوان «الاختيار بين حالات العمل المتمحورة حول المشروع والمتمحورة حول المنتج»، وتؤكد أبحاثها في هذا الملف أن من يطبّق تمويل المنتج يحقق كفاءة تكلفة أعلى وتحققًا أسرع للقيمة من المتمسكين بالنموذج التقليدي. المهم أن هذه ليست ثنائية مطلقة: كثير من المؤسسات تبقي نموذج المشروع للمبادرات ذات النطاق الثابت (مثل ترحيل مركز بيانات بتاريخ إخلاء محدد) وتنقل المنصات والخدمات الدائمة إلى نموذج المنتج.

خارطة عملية للجهات السعودية: اعمل داخل دورة الميزانية لا ضدها

الميزانية السنوية في الجهات الحكومية ليست خيارًا يمكن تجاوزه، والمطلوب ليس إلغاؤها بل تصميم طبقة رشيقة فوقها. خطوات عملية مقترحة:

  1. أعد صياغة طلب الميزانية حول المنتجات لا المشاريع: بدل «مشروع تطوير بوابة الخدمات»، قدّم «منتج بوابة الخدمات» بفريق ثابت وتكلفة تشغيل سحابية متوقعة ومؤشرات نتائج (رضا المستفيد، زمن إنجاز الخدمة، نسبة الأتمتة)، بما يتسق مع توجه استراتيجية الحكومة الرقمية نحو جودة الخدمات ونضجها لا عددها.
  2. افصل التشغيل السحابي عن التطوير في البنود: اجعل الاستهلاك السحابي بندًا مستقلًا مُدارًا بممارسات FinOps (وسوم التكلفة، تنبيهات الميزانية، مراجعة شهرية)، حتى لا يُستنزف اعتماد التطوير لتغطية الفاتورة.
  3. استفد من الاتفاقيات الإطارية والعقود متعددة السنوات: تقلّل الاتفاقيات الإطارية الوطنية زمن الشراء، ما يسمح بتمويل الفرق والخدمات السحابية باستمرارية أكبر بدل إعادة الطرح مع كل مرحلة.
  4. طبّق مراجعة ربع سنوية للمحفظة: حتى داخل اعتماد سنوي ثابت، يمكن إعادة توزيع الطاقة بين المنتجات كل ربع بناءً على النتائج، مع توثيق القرار لأغراض الرقابة والمراجعة.
  5. ابدأ بمنتج واحد مرئي: اختر منصة سحابية أو خدمة رقمية ذات أثر واضح، وطبّق عليها نموذج الفريق الدائم سنة كاملة، ثم استخدم نتائجها لإقناع الإدارة المالية بالتوسع.

الخلاصة: الأجايل الذي يتوقف عند حدود الفريق يبقى نصف تحول. ومع تحوّل الإنفاق التقني في المملكة نحو السحابة والخدمات المستمرة، يصبح السؤال الحقيقي في موسم ميزانية 2027 ليس «كم مشروعًا سنطلق؟» بل «أي المنتجات سنموّل، وبأي فرق، ولأي نتائج؟».

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً